محمد بيومي مهران
377
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الإحكام والقهر ، ولا يسام الذل والهوان ، والعلماء يقررون أن حضانة العلم خمس عشرة سنة ، فإذا ابتدأت أمة تتعلم فإنها تجني ثمرة العلم بعد خمس عشرة سنة ، وأما حضانة الأخلاق فمدتها أربعون سنة ، فإذا أخذت الأمة تستمسك بالأخلاق فإنها لا تجني الثمرة إلا بعد أربعين سنة ، لذلك أراد اللّه تعالى أن يبقي بنو إسرائيل في البرية أربعين سنة حتى يفنى الجيل الذي نشأ في الذل والاستعباد ، وينشأ جيل ألف الحرية ولم تذله العبودية « 1 » . على أن هناك فريقا من العلماء يرى أن فترة التيه هذه إنما تتصل اتصالا وثيقا بعقيدة إسرائيل الجديدة ، ذلك لأن فترة الأربعين سنة للتيه إنما كانت ملائمة لغرس العقيدة الجديدة في عقول وقلوب القوم الذين اعتادوا رونق الطقوس المصرية ، كما أن تلك العقيدة ، سوف تتعرض لأخطار أعظم فيما بعد في فلسطين « 2 » ، مما يجعلها في أشد الحاجة إلى فترة كافية لتثبيت الإيمان بها . وأيا ما كان الأمر ، فإن ختام القصة هنا في سورة المائدة بقوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ إنما هو تسلية لموسى عليه السلام ، أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به فإنهم مستحقون ذلك ، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ، ومخالفتهم للّه ورسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد فضعفت نفوسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم رسول اللّه وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان سيدنا موسى عليه السلام ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم ، هذا مع ما شهدوا من فعل اللّه بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون ، لتقر به أعينهم وما بالعهد
--> ( 1 ) عبد الوهاب النجار : المرجع السابق ص 227 - 228 . ( 2 ) L . Woolley , op - cit , P . 497 .